فخر الدين الرازي
205
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) * اعلم أنه تعالى أمر بخمسة أشياء أولاً ، ثم أتبعه بالنهي عن ثلاثة أشياء وهي النهي عن الزنا ، وعن القتل إلا بالحق ، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، ثم أتبعه بهذه الأوامر الثلاثة فالأول قوله : * ( وأوفوا بالعهد ) * . واعلم أن كل عقد تقدم لأجل توثيق الأمر وتوكيده فهو عهد فقوله : * ( وأوفوا بالعهد ) * نظير لقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) * ( المائدة : 1 ) فدخل في قوله : * ( أوفوا بالعقود ) * كل عقد من العقود كعقد البيع والشركة ، وعقد اليمين والنذر ، وعقد الصلح ، وعقد النكاح . وحاصل القول فيه : أن مقتضى هذه الآية أن كل عقد وعهد جرى بين إنسانين فإنه يجب عليهما الوفاء بمقتضى ذلك العقد والعهد ، إلا إذا دل دليل منفصل على أنه لا يجب الوفاء به فمقتضاه الحكم بصحة كل بيع وقع التراضي به وبصحة كل شركة وقع التراضي بها ، ويؤكد هذا النص بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود والعقود كقوله : * ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) * ( البقرة : 177 ) وقوله : * ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) * ( المؤمنون : 8 ) وقوله : * ( وأحل الله البيع ) * ( البقرة : 275 ) وقوله : * ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) * ( النساء : 29 ) وقوله : * ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) * ( البقرة : 282 ) وقوله عليه السلام : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبة من نفسه " وقوله : " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " وقوله : " من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه " فجميع هذه الآيات والأخبار دالة على أن الأصل في البيوعات والعهود والعقود الصحة ووجوب الالتزام . إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصاً أخص من هذه النصوص يدل على البطلان والفساد قضينا به تقديماً للخاص على العام ، وإلا قضينا بالصحة في الكل ، وأما تخصيص النص بالقياس فقد أبطلناه ، وبهذا الطريق تصير أبواب المعاملات على طولها وأطنابها مضبوطة معلومة بهذه الآية الواحدة ، ويكون المكلف آمن القلب مطمئن النفس في العمل ، لأنه لما دلت هذه النصوص على صحتها فليس بعد بيان الله بيان ، وتصير الشريعة مضبوطة معلومة .